الشيخ محمد هادي معرفة
215
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ذلك ممّا يبيّن به فضل الكلام - إن وقع موقعه من غير تكلّف أو اعتساف وكان المتكلّم خبيرا بمواقعه - وأنّه من المقاييس التي يتفاضل بها الكلام في الفصاحة والبيان ، نظير التجنيس والترصيع واللفّ والنشر والالتفات وسائر أنواع البديع . هذا فضلًا عن وقوعه في القرآن بالفعل ، والوقوع خير شاهد على الإمكان بالاتفاق . من ذلك قوله تعالى : « بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى » « 1 » ولا سبب لتقديم اسم المفضول على الفاضل هنا إلّا مراعاة الفواصل ، وهي على الألف المقصورة . ومن ثمّ لمّا كانت الفواصل في سورة الشعراء على النون ، تأخّر لفظ هارون « رَبِّ مُوسى وَهارُونَ » . « 2 » قال الباقّلاني : وهذا الذي ذكروه غير صحيح ، لأنّ القرآن لو كان سجعا لكان على أسلوب كلامهم ، فلم يصحّ وقوع الإعجاز به ، لأنّه ممّا ألفه الكُهّان وكانوا قادرين على الإتيان بمثله . وأمّا الذي قدّروه سجعا فإنّه ليس منه وإنّما هو تفنّن في التعبير ، كما هو دأب القرآن ، يقصّ القصص في مواضع مع اختلاف التعابير . وأسهب في الردّ والنقض على احتمال وجود السجع في القرآن . « 3 » ولعلّه خروج عن منهج التفاهم في المسائل النظرية . لأنّ القائل به لايدّعي من فواصل الآيات كلّها أسجاعا ، وإنّما يرى الوجود ولو في بعض المقاطع المتقاربة ، من غير أن يكون المعنى تابعا ، وإنّما مثله مثل سائر الفواصل أو القوافي الشعرية المؤاتية على سبيل التمكين والترصيف ، لا أنّه المقصود بالذات وما سواه مغفول عنه ، كما حسبه الباقلّاني ومن قَبله الرمّاني . * * * وللأمير أبي محمد عبداللّه بنمحمَّد ، ابنسنان الخفاجي ( ت 466 ) ردّ لطيف على الرمّاني والباقلّاني ، وخصّ الأول بالذكر في كتابه « سرّ الفصاحة » إليك نصّه : قال : وأمّا قول الرمّاني - إن السجع عيب ، والفواصل على الإطلاق بلاغة - فغلط . فإنّه إن أراد بالسجع ما يتبع المعنى ، وكأنّه غير مقصود بالذات ، فذلك بلاغة بلا شك . كذلك
--> ( 1 ) - طه 70 : 20 . ( 2 ) - الشعراء 48 : 26 . ( 3 ) - إعجاز القرآن للباقلّاني ، ج 1 ، ص 85 - 101 .